الشنقيطي

209

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

هذا الموضع أنهم قالوا ذلك بالفعل ، كقوله في النحل : وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا [ النحل : 35 ] وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ [ الزخرف : 20 ] الآية . ومرادهم أن اللّه لما كان قادرا على منعهم من الإشراك ، ولم يمنعهم منه أن ذلك دليل على رضاه بشركهم ، ولذلك كذبهم هنا بقوله : قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ الآية ، وكذبهم في الزخرف بقوله : ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ( 20 ) [ الزخرف : 20 ] ، وقال في الزمر وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ [ الزمر : 7 ] الآية . قوله تعالى : * قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً [ 151 ] الآية . الظاهر في قوله : ما حرم ربكم عليكم ، أنه مضمن معنى ما وصاكم به فعلا ، أو تركا ؛ لأن كلا من ترك الواجب ، وفعل الحرام حرام ، فالمعنى وصاكم ألا تشركوا ، وأن تحسنوا بالوالدين إحسانا . وقد بين تعالى أن هذا هو المراد بقوله : ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ [ الأنعام : 151 ] الآية . قوله تعالى : وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ [ 151 ] الآية . نهى اللّه تعالى في هذه الآية الكريمة عن قتل الأولاد من أجل الفقر الواقع بالفعل ؛ ونهى في سورة الإسراء عن قتلهم خشية الفقر المترقب المخوف منه ، مع أنه غير واقع في الحال بقوله : وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ [ الإسراء : 31 ] ، وقد أوضح صلى اللّه عليه وسلم معناه حين سأله عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه : « أي الذنب أعظم ؟ فقال : « أن تجعل للّه ندا وهو خلقك » ، قال : ثم أي ؟ قال : « أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك » ، قال : ثم أي ؟ قال : « أن تزاني حليلة جارك » ، ثم تلا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ [ الفرقان : 68 ] الآية . وأخذ بعض أهل العلم من هذه الآية منع العزل ؛ لأنه وأد خفي ، وحديث جابر : « كنا نعزل والوحي ينزل » « 1 » ، يدل على جوازه ، لكن قال جماعة من أهل العلم : إنه لا يجوز عن الحرة إلا بإذنها ، ويجوز عن الأمة بغير إذنها ، والإملاق : الفقر ، وقال بعض أهل بعض العلم : الإملاق الجوع . وحكاه النقاش عن مؤرج ، وقيل : الإملاق الإنفاق ، يقال : أملق ماله بمعنى أنفقه ،

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في التفسير حديث 4461 و 4477 ، والأدب حديث 6001 ، والمحاربين من أهل الكفر والردة حديث 6811 ، والديات حديث 6861 ، والتوحيد حديث 7520 و 7532 ، ومسلم في الإيمان حديث 141 و 142 ، وأبو داود في الطلاق حديث 2310 ، والترمذي في تفسير القرآن حديث 1382 و 3183 ، والنسائي في تحريم الدم ، باب ذكر أعظم الذنب .